ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
65
حجة الله البالغة
أَقُول : أعلم أَن الْجنَّة حَقِيقَتهَا رَاحَة النَّفس بِمَا يترتشح عَلَيْهَا من فَوْقهَا من الرِّضَا والموافقة والطمأنينة ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { فَفِي رَحْمَة من الله هم فِيهَا خَالدُونَ } . وَقَوله تَعَالَى فِي ضدها : { أُولَئِكَ عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ خَالِدين فِيهَا } . وَطَرِيق خُرُوج النَّفس إِلَيْهَا من ظلمات البهيمية إِنَّمَا يكون من الْخلق الَّذِي جبلت النَّفس على ظُهُور الملكية فِيهِ ، وانقهار البهيمية ، فَمن النُّفُوس من تكون مجبولة على قُوَّة الملكية فِي خلق الْخُشُوع وَالطَّهَارَة ، وَمن خاصيتها أَن تكون ذَات حَظّ عَظِيم من الصَّلَاة ، أَو فِي خلق السماحة ، وَمن خاصيتها ، أَن تكون ذَات حَظّ عَظِيم من الصَّدقَات وَالْعَفو عَمَّن ظلم ، وخفض الْجنَاح للْمُؤْمِنين مَعَ كبر النَّفس ، أَو فِي خلق الشجَاعَة ، فينفث تَدْبِير الْحق لاصلاح عباده فِيهَا ، فَيكون أول مَا يقبل النفث مِنْهُ هُوَ الشجَاعَة ، فَتكون ذَات حَظّ عَظِيم من الْجِهَاد ، أَو يكون من الْأَنْفس المتجاذبة ، فيهدي لَهَا إلهام أَو تجربة على نَفسهَا أَن كسر البهيمية بِالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَاف منقذ لَهَا من ظلماتها ، فيتلقى ذَلِك بسمع قبُول واجتهاد من صميم قلبه ، فيجازى جَزَاء وفَاقا بالريان فَهَذِهِ هِيَ الْأَبْوَاب الَّتِي صرح بهَا النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الحَدِيث ، وَيُشبه أَن يكون مِنْهَا بَاب الْعلمَاء الراسخين ، وَبَاب أهل البلايا والمصائب والفقر ، وَبَاب الْعَدَالَة ، وَهُوَ قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله : " إِمَام عَادل " . وآيته أَن يكون عَظِيم السَّعْي فِي التَّأْلِيف بَين النَّاس ، وَبَاب التَّوَكُّل . وَترك الطَّيرَة ، وَفِي كل بَاب من هَذِه الْأَبْوَاب أَحَادِيث كَثِيرَة مَشْهُورَة ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ أعظم أَبْوَاب خُرُوج النَّفس إِلَى رَحْمَة الله ، وَيجب فِي حِكْمَة الله أَن يكون للجنة الَّتِي خلقهَا الله لِعِبَادِهِ أَيْضا ثَمَانِيَة أَبْوَاب بإزائها ، والكمل من السَّابِقين يفتح عَلَيْهِم الْإِحْسَان من بَابَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة ، فَيدعونَ يَوْم الْقِيَامَة مِنْهَا ، وَقد وعد بذلك أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَمعنى قَوْله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " من أنْفق زَوْجَيْنِ " الحَدِيث أَنه يدعى من بعض أَبْوَابهَا إِنَّمَا خصّه بِالذكر زِيَادَة لاهتمامه .